SyriaSource|Amplifying Syrian voices

SyriaSource
sFacebook Twitter Instagram YouTube


تشرين1/أكتوير 15, 2015

يعيش سكان دير الزور تحت قصف النظام واستبداد داعش، وليس النظام مستعدا للتنازل ولا داعش إذ أن دير الزور مدينة هامة استراتيجيا فإنه لها آبار نفط وهي نقطة الوصل بين الرقة، التي يسمي تنظيم الدولة عاصمتها، ومدينة رمادي العراقية، بيد أن المدنيين هم الذين يعانون من القتال المستمر وطغيان داعش.


يحاوط المدينة جبل مطل عليها من الغرب تحت سيطرة النظام السوري، كما أنه يسيطر على الأحياء الغربية والشمالية للمدينة .في حين يسيطر تنظيم الدولة الاسلامية على كامل ريفها، وعلى رقعة واسعة من الأحياء في منتصف المدينة ، ولا يملك التنظيم إلا مدخلا واحدا إلى هذه المناطق وهو المدخل الشرقي (جسر السياسية)، وهكذا يصبح التنظيم في منتصف المدينة ويحاوطه النظام من ثلاث جهات.


يستعمل النظام الجبل لقصف الأحياء التابعة للتنظيم بشكل همجي بالمدفعية الثقيلة، وهذا الجبل أيضاً طريق إمداد من مطار دير الزور إلى الأحياء الغربية (الجورة-القصور) التابعة للنظام السوري، فتنظيم الدولة ومن خلال سيطرته على الريف يحاصر هذه الأحياء ويمنع عنها جميع أنواع الأغذية، 400 ألف مدني لاذوا بتلك المناطق خوفاً من القصف، وهم الآن بدون طعام، ولكن النظام أيضاً لا يسمح لهؤلاء المدنيين بالخروج من هذه الأحياء، ليصبح هو أيضاً أحد أركان الحصار.


بالمقابل قام التنظيم بقطع جميع مقومات الحياة في المناطق التابعة لسيطرته، من تاريخ دخول التنظيم إلى دير الزور لا تعليم لا كهرباء لا خدمات، فقد أوقف المجالس المحلية والمشافي الميدانية التي تعمل بالمجان ولا توجد جمعيات اغاثية، ليصبح حال أهالي المناطق التابعة للتنظيم جهنم لا تُوصف، ولا يختلف وضعهم كثيرا عن أهلهم وأقربائهم في مناطق النظام.


من أخطر الأسلحة التي يستخدمها النظام والتي صُنفت بالأسلحة العشوائية الاثر هي البراميل المتفجرة التي تقتل أكثر من داعش وجبهة النصرة سوا، لا يمكن للإنسان تقبل طبيعة ما يفعله النظام، فإن هذا السلاح لا استخدام له إلا قتل الناس وتدمير مدنهم بدون تمييز بين المسلح والمدني.


في شهر مارس (آذار) 2015 قام الطيران المروحي بإلقاء براميل متفجرة على حي الشيخ ياسين التابع للتنظيم في دير الزور، ودمر أربع مبانٍ، لم يكن في هذه المباني إلا امرأة واحدة تحت الأنقاض، فطوق التنظيم المنطقة ولم يسمح للمدنيين الاقتراب من البناء الذي كانت تحته الضحية، لم يعمل على اخراج الضحية من تحت الأنقاض سوى زوجها وولدها، لم تكن إصابتها بالغة، أي كان بالإمكان انقاذها ولكن بقيت فترة طويلة تحت الأنقاض وماتت قبل أن يصلا إليها، وعندما سُئِل مسلحو التنظيم لماذا لم يسمح للمدنيين بالتدخل لإنقاذ المرأة كان الجواب، "أنتم لا تكنون لها بصلة ولا يمكنكم أن تروا عورتها."


في حين ما يجري تحت سيطرة التنظيم واقع قد لا يتحمله أي عقل بشري، ما معناه أن الرجل لا يمكنه لبس بنطال الجينز ولا يستطيع التدخين، ويفرض على المرأة لباس مكون من عباية سوداء وقفازات سوداء، ويجب عليها أن تضع النقاب وهكذا تغطَّى المرأةُ وتصبح كالغيمة السوداء.


كلما يهم التنظيم ليطلق معركة على الأحياء المحاصرة يقوم بعمليات تفتيش دقيقة على جسر السياسية، الذي هو المدخل الوحيد التابع للدولة من الريف الشرقي إلى المدنية، ليمنع دخول السكاير إلى أحيائه فهذا، حسب قوله، منكر والمنكر محرم  وقد يؤخر نصرهم.


في يناير (كانون الثاني) 2015 كنت في طريقي للذهاب إلى السوق لأجلب بعض الخضروات وإذ بسيارة الحسبة (فرع المحاسبة، وهذا الفرع هو الذي يحاسب الناس على "الممنوعات" التي حرمها التنظيم) تقوم بإيقافي، وطلبوا مني أن أوريهم بطاقتي الشخصية، لم أمتنع من ذلك، فإنني لا أحمل دخان ولحيتي طويلة، لا يوجد لهم شيء عندي، أخذوا البطاقة وطلبوا مني أن أرجع إلى البيت وأبدل سروالي الجينز الذي ألبسه وأحضره لهم إلى مقر الحسبة، عملت كما أمروني وعند دخولي إلى ذلك المقر— الذي لا يختلف عن مقرات تعذيب النظام في شيء— انتظرت حتى جاء دوري ودخلت إلى القاضي أبو شداد الجزرواي وهو سعودي الجنسية، فطلب مني الجلوس وشرحت له ما جرى معي، وما طلبه أحد عناصر الدورية التي أوقفتني والملقب بأبو أنس، وسأل القاضي أبو أنس هل أمتنع من تنفيذ ما طلبتم منه؟ وكان الجواب من أبو أنس نعم أمتنع ولكننا أخذنا بطاقته الشخصية لذلك قام بتنفيذ الأوامر.


أصابتني سكتة غريبة مع نوع من الضحك، فأنا لم أمتنع من تنفيذ أوامرهم والسبب بسيط لا أحد يستطيع العصيان اذ انهم قد يلفقوا لي تهمة مثل الردة أو الكفر ليذبحوني بكل بساطة.


قال القاضي إن، "لبس بنطال الجينز حرام ويجب جلدك ثلاثين جلدة تعزير (خفيفة لا توجع ليحس الشخص بذنب قد أرتكبه)، ولكن عصيانك لأوامر رجال الله على الأرض أمر كبير، ولم يمر بشيء الهين، سنحكم أيضاً بثلاثين جلدة حقيقة،" وأمر أبو أنس بتنفيذ الحكم.


لم أنطق بكلمة واحدة، قمت ووضعت يداي خلف رأسي، والتفت إلى الحائط وبدأ بتنفيذ حكم التعزير بعاصات خفيفة، لم تكن تألم وانتهت بسرعة، قام بتغير العاصات الخفيفة بكبل كهربائي من أجل تنفيذ الحكم الحقيقي كما قال، وبدأ الجلد لم يكن ضرب انسان يريد إصلاح الناس كما يدعون، كان جلد حقد وغل، وهو يقول أثناء الجلد لا تريدون حكم الله على الأرض، تريدون الفسوق وشرب المنكر لا تريدون قيام دولة إسلامية، وكأنه يلوم أهالي دير الزور كلهم على عجز داعش عن هزم النظام، تماسكت نفسي ولم أنطق حتى أنتهى الجلد وأخلوا سبيلي.


محمد أبن الأربعين عام تعرض لنفس الموقف تقريباً، لكن تهمته كان التدخين، قال، "أهالي دير الزور التابعين للتنظيم لا يمتلكون إلا مدخل واحد إلى أحيائهم، وهو تابع لسيطرة التنظيم، ولكن لو وجد مدخل ثاني إلى المدينة، ويستطيعون من خلاله الدخول والخروج إلى المدينة بسهولة لقاموا بثورة على التنظيم، دون الحاجة لتدخُّل من الائتلاف الذي تقوده أمريكا لتدمير تنظيم داعش، الشعب الذي وقف في يوم من الأيام أمام دبابات النظام وطيرانه المجرم بأسلحة خفيفة، وحده يستطيع تحرير نفسه من أيادي البطش والحقد والتخلف فهذه أرض ديرالزور، وهي ملك لأهالي المدينة ليست ملك المهاجرين أو عناصر النظام السوري، وهذا ما سيحصل عاجلاً أم آجلاً."


الحاج ياسر وهو من كبار السن الموجودين في ديرالزور قال، "النظام والتنظيم ليسوا فصيل واحد، لكن تجمعهم المصالح المشتركة، ومن هذه المصالح إذلال الناس من أجل المبايعة للتنظيم، وحرمان الناس من الطعام والشراب في المناطق التابعة للنظام، من أجل تطوع الشباب مع النظام ليأتيهم نصيبهم من طعام الذي يدخل من الخط العسكري وهذا كله يصب في مصلحة الطرفين فبنهاية المطاف هم الخاسر الأكبر، لكن ما يتبين لنا كل يوم أن أهي دير الزور سيقاومون حتى النهاية".


تبقى شعارات الثورة في قلوب أهالي دير الزور العزل، الذين يقاومون قصف النظام بصمودهم ويقاتلون التنظيم بأخلاقهم ومبادئهم وابتكاراتهم، تنتظر الفرصة للظهور مجدداً للتجول في أحياء وأزقة المدينة المنسية.


فيكر أم ناشط مدني من دير الزور، وقد عمل بالاسعاف وإعلاميا عند فريق ألوان وبالحقوق الانسان عند منظمة سما.

RELATED CONTENT