Arabic Conflict Iran Iraq Political Reform Politics & Diplomacy

MENASource

August 4, 2026 • 3:27pm ET

هل يتمكن الزيدي من فصل الدولة عن الطائفة؟

By Munqith Dagher

هل يتمكن الزيدي من فصل الدولة عن الطائفة؟

منقذ داغر

ليس خافياً تأثير ما يجري في الجوار العراقي على السياسة والمجتمع والاقتصاد فيه. وعلى الرغم من ان التغيرات التي حصلت في المنطقة بعد أكتوبر 2023 انعكست على العراق بطريقة او بأخرى، الا ان التأثير الأكبر على سياسته سيظهر نتيجة تداعيات ما بعد 28 فبراير(شباط)2026 والتي تتكشف يوماً بعد الآخر. لقد أدى اغتيال السيد علي الخامنئي وانتقال منصب المرشد الى ولده مجتبى الى تحول ايران من دولة ثيوقراطية يتحكم فيها الولي الفقيه الى دولة جنتوقراطية تكون الكلمة الفصل فيها لمجلس جنرالات الحرس الثوري. هذا التحول البنيوي في سلطة النظام الإيراني سينعكس حتماً على سلطة شبكات النفوذ الإيرانية العقائدية في العراق والمنطقة. إذ ستتحول العلاقة من سلطة العقيدة الناعمة الى سلطة الجنرالات الخشنة. وسيتوجب على تلك الشبكات التحرك داخل بلدانها لأن الجنرالات لا الفقيه هو من أمر بذلك.

هنا يجب التحذير من الاعتقاد بأن قوة العقيدة على اتباعها في تلك الشبكات قد تقلصت. انها في الواقع قد تبدلت من الفقيه الواحد الى المصير الواحد. فمجلس جنرالات الحرس يستخدم الان المصير الواحد لتبرير هيمنته على فصائل نفوذه في المنطقة. فسقوط إيران يعني سقوط الحكم “الشيعي” في المنطقة كما يروَج له الآن من قبل ايران ويتبناه كثيرين داخل العراق حتى من غير المؤمنين بولاية الفقيه او حتى غير المنضوين في الفصائل المسلحة. هكذا نفهم الارتفاع الكبير في عدد الفصائل العراقية المسلحة التي ترفض نزع سلاحها الى عشرة فصائل بعد ان كانت خمسة فقط قبل التصعيد الأخير للهجمات الامريكية على ايران في اعقاب اجتماع مجلس الامن القومي الأمريكي يوم 16 يوليو(تموز) الذي تشير التسريبات الى انه ناقش خططاً لعمليات برية وهجمات جوية أمريكية على البنية التحتية في ايران . وفي نفس السياق نفهم فشل محاولة قوات الجيش والشرطة العراقية مصحوبة بقوات من أمن الحشد الشعبي في اقتحام معسكر القوات الخاصة لحركة النجباء جنوب بغداد يوم الجمعة 24 يوليو(تموز) بعدما هددت قوات النجباء (المنضوية اساساً ضمن الحشد الشعبي لواء 12) بأنهم سيعتقلون القوات الحكومية اذا حاولت الدخول لمقرهم.

دولة الطوائف

هذا التحول في فهم أهمية ربط المصير بإيران من الضرورة العقدية الى الضرورة الوجودية يؤثر بالضرورة في البنية المؤسسية للحكم في العراق والقائمة على تفوق الطائفة على الدولة. فالعراق ليس دولة حكم فردي ولا مؤسسي. وهو ليس نظام برلماني او رئاسي. انه ببساطة دولة حكم طائفي، حيث لكل طائفة (شيعة،سنة،كرد) مؤسسة سياسية تمثلهم. كما ان لكل طائفة منصب رئاسي، بل لكل طائفة وزارة سيادية متفق عليها. فالطائفة هي المعيار للحكم. وفي تطوير لهذه النظرية الطائفية تجمعت هذه الطوائف، عدا الكرد الذين انقسموا الى حزبين، في مؤسستين سياستين شيعية وسنية. فصار الإطار التنسيقي يتحدث باسم الشيعة (عدا الصدريين)، والمجلس السياسي الوطني هو من يمثل السنة. وعندما حاول الصدريون (الشيعة) بعد انتخابات 2021 التي فازوا فيها بناء مؤسسة سياسية عابرة للطوائف لتشكيل الحكومة، واجههم الإطار التنسيقي(الشيعي) المدعوم ايرانياً بقوة النار،لا السياسة فقط واجبروهم على الانسحاب وترك الإطار التنسيقي لينفرد بالقرار (الشيعي).

لقد كانت معركة الصدر مع الإطار التنسيقي رسالة عراقية شيعية مدعومة ايرانياً من خلال فصائلها المسلحة الى كل من يحاول تحدي الإطار المؤسسي الطائفي. وقد وصلت تلك الرسالة بوضوح الى رئيس الوزراء السابق (محمد السوداني) بعدما فاز تكتله الإنتخابي المختلط (شيعي-سني) بانتخابات 2025 فقرر براغماتياً العودة للإطار التنسيقي الذي ابتعد عنه لعدة اشهر قبل الانتخابات وعدم تحديه في معركة تشكيل الحكومة واختيار رئيس الوزراء . هكذا نجح الإطار التنسيقي في تثبيت نفسه كآلية بنيوية اعلى من الدولة بخاصة بعد ان استطاع فرض ارادته (بحكم التفوق في عدد المقاعد النيابية) لتعيين رئيس الجمهورية وكذلك رئيس البرلمان.

وعلى الرغم من محاولة الولايات المتحدة كسر هذا البنية الطائفية للنظام من خلال إختيار رئيس وزراء من خارج الإطار التنسيقي ودعمه بقوة، كما اتضح ذلك من الإستقبال (فوق الرسمي) لعلي الزيدي في البيت الأبيض وكلمات ترامب بحقه ، فأن أعضاء مهمين في الإطار التنسيقي أخبروا الكاتب بأن قضية نزع سلاح الفصائل المسلحة العراقية لا ترتبط بموعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق كما صرح بذلك الزيدي في البيت الأبيض، بل بما ستفسر عنه نتائج المواجهة الإيرانية الأميركية الجارية في المنطقة حالياً. فإذا لم يتم ضمان سلامة النظام الإيراني، بل موافقته، على نزع سلاح تلك الفصائل فلن تدعم قوى مهمة داخل الإطار التنسيقي الزيدي في تنفيذ وعده لترامب بحل الفصائل قبل نهاية هذه السنة. وعلى الرغم من ان الزيدي صرّح في احد اجتماعات الإطار بأنه سيضطر للمواجهة المسلحة حينئذ مع تلك الفصائل لنزع سلاحها الا انه يعلم ان قوى الإطار لن تسمح له بمواجهة عسكرية شيعية-شيعية مما لن يترك مجالاً امامه الا الإسقالة بخاصة وان البيت الأبيض سيرفع الدعم عنه حينذاك لفشله في تنفيذ المهمة الرئيسة التي جعلته يدعم الزيدي بهذا الشكل القوي والصريح.

وعلى الرغم من الأجواء الصاخبة والأضواء المبهرة التي رافقت زيارة الزيدي لواشنطن والاتفاقات الاقتصادية الكبيرة التي تم توقيعها، وعلى الرغم ايضاً من الزيارات الخارجية الكثيرة للسيد الزيدي خلال هذه المدة، الا ان التجربة مع كل رؤساء الوزراء السابقين تفيد بأن الأهم هو ليس القرار او حتى الدعم الخارجي أياً كان مصدره. الأهم في العراق هو الاتفاق الداخلي العابر للطائفة والقومية والقائم على علوية الدولة واستقلال قرارها. وما لم يتمكن السيد الزيدي من تحجيم دور المؤسسات الطائفية في صنع قرار الدولة العراقية وفي تقرير مصيرها واتجاهها فسوف لن يكون سوى صورة لرؤساء الوزراء السابقين الذين كانت لهم صولات وجولات في عواصم القرار العالمي والإقليمي في حين انهم لم يكونوا داخل العراق سوى مدراء تنفيذيين للسياسات التي يقررها مجلس الحكم الطائفي. فالمعركة التي أمام الزيدي هي ليست نزع سلاح الفصائل، وإنما استعادة احتكار الدولة لسيادتها.

إقرأ ألمزيد

Image:

علي فالح الزيدي، لمناقشة آخر التطورات الأمنية والهجوم الذي نفذته القوات الجوية التابعة للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، بغداد، العراق، ٢٩ يوليو/تموز ٢٠٢٦. مكتب رئيس الوزراء/صورة مقدمة للإعلام عبر رويترز المجلس الوزاري للأمن الوطني يعقد اجتماعًا طارئًا برئاسة رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة.