كيف يؤثر تغيير القيادة في ايران على الميليشيات العراقية؟
د. منقذ داغر
يبدو اننا بتنا ، بعد 28 فبراير 2026 ،امام نظام مختلف وظيفياً، بل وحتى هيكلياً عما عرفناه طوال السنوات السبعة وأربعين من عمر النظام الايراني. فقد اتسم نظام الحكم في ايران بنسخته الخمينية الأولى 1979-1989 بأحادية قطبية لا مكان فيها سوى للمرشد الأعلى(الخميني). أما النسخة الخامنئية من الحكم 1989-2026 فعلى الرغم من انها شهدت سيطرة المرشد الأعلى على القرار السياسي والاستراتيجي الا ان العسكر ممثلاً بالحرس الثوري بدأ يحوز على مساحة اكبر في القرار وينافس مرشحي المؤسسة الدينية ليس فقط على القرار بل على المناصب السياسية العليا حتى ان 20 جنرالاً من الحرس الثوري رشحوا انفسهم في انتخابات 2021 لمنصب رئيس الجمهورية. كما ان مؤسسة الحرس الثوري سيطرت على ثلثي الاقتصاد الإيراني تقريباً . مع ذلك فأن كارزما المرشد الأعلى وخبرته وعلاقاته ونفوذه القويَين داخل المؤسسة الدينية والعسكرية اتاحت له لعب دور الممسك بكل خيوط اللاعبين.
لكن تراجع دور المرشد الأعلى بعد اختيار السيد مجتبى خامنئي خليفةً لأبيه كما يبدو. لم يكن ذلك فقط لأن مجتبى تسلم الحكم وهو مصاب او غير قادر جسدياً على ممارسة الحكم بسبب استهدافه في الضربة الإسرائيلية يوم 28 فبراير 2026 بل الأهم من ذلك للدور المهم الذي لعبه العسكر(الحرس الثوري في اختياره) سواءً قبل وفاة والده او بعد اغتياله ,لقد بات نظام الحكم الإيراني في نسخة السيد مجتبى اقرب الى نظام الحكم الجنتوقراطي حيث تقوم مجموعة او مجلس من الضباط بأدارة شؤون الحكم واتخاذ القرارات الرئيسة متخذين من منصب المرشد الأعلى وقدسيته الدينية غطاءً مهماً لتبرير قبضتهم الأمنية القوية واحتكارهم لقرارات السلم والحرب داخلياً وخارجياً.
التأثير على العراق
ليس خافياً ان إيران، تمتلك اليوم نوعي القوة المهمًين داخل العراق (من القوة الصلبة والناعمة). وعلى الرغم من ان تأثير هاتين القوتَين كان موجوداً داخل العراق حتى قبل 2003 الا انهما تعاظما كثيراً بعد الغزو الأمريكي حتى ان ربع أعضاء اول مجلس حكم عراقي شكله الاميركان في يوليو 2003) كان اكثر من ربع اعضاءه اما يعيشون في ايران قبل الاحتلال او ان احزابهم تتلقى دعماً مباشراً من طهران. لا بل ان 5 من اصل تسعة أعضاء تم اختيارهم لترؤس المجلس شهرياً كانوا يعيشون في فترة من حياتهم في ايران او يتلقون دعماً مباشراً منها. كما أظهرت وثائق سَربت عبر ويكليكس ان السفارة الأميركية كانت على علم بتغلغل ايران في الشأن العراقي وانها خلال المدة من 2003-2010 حذرت الإدارة الأميركية من الدولة الإيرانية العميقة التي أقامها الحرس الثوري بقيادة سليماني داخل الدولة العراقية لكنها فضلت عدم اضافة عبء مواجهة عدو إضافي الى قائمة اعدائها الكُثُر في العراق آنذاك.
لقد استثمرت ايران عبر حرسها الثوري وفيلق القدس بقيادة الجنرال قاسم سليماني ذراعي القوة (الخشنة والناعمة). ففي مجال القوة الخشنة لم تكتف ايران بالميليشيات التي دربتها وسلحتها قبل 2003 مثل فيلق بدر ،بل أنشأت مجموعة كبيرة من الفصائل المسلحة القوية والمرتبطة بها مباشرة والتي يقلد معظم اتباعها وقادتها الامام الخامنئي دينياً. هذه الفصائل لم تكن مجرد أدوات عسكرية، بل تحولت لاحقاً إلى قوى موازية للأجهزة الأمنية الرسمية. وبلغت من القوة والنفوذ حد عدم الانصياع بل تحدي رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي في 2020 ومحاولة اغتياله في 2021.
على صعيد القوة الناعمة فقد زاوجت إيران بين مجموعة واسعة من الأدوات الثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية للسيطرة على المشهد العراقي. فقد تدخلت ايران عبر ممثليها وبتوجيهات مباشرة من الجنرال سليماني في تشكيل واختيار ليس الحكومات العراقية فقط بل حتى في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان. وقد تحدث لي أحد رؤساء الجمهورية السابقين كيف ان النفوذ الأمريكي وقف عاجزاً امام نفوذ سليماني الذي كان حاسماً في تعيينه! أما في المجال الديني فعلى الرغم من التأثير الكبير لمرجعية النجف في العراق بقيادة السيد السيستاني وتأثيرها في اتباعها الذين يشكلون معظم اتباع المذهب الشيعي الأثني عشري سواء في العراق او ايران، الا أن مزاوجة آية الله علي الخامنئي بين القيادتَين السياسية كمرشد اعلى لإيران، والدينية كمرجع اعلى لحوزة قم منحته القدرة على التأثير في كثير من اتباعه في العراق وبالذات أعضاء وقيادات الفصائل المسلحة التي تم تأسيسها في العراق والخاضعة تماماً للنفوذ الإيراني إذ كانوا يرون فيه قائداً ثورياً مقاتلاً من جيل الخميني وليس فقط قائداً روحياً كما هو حال السيد السيستاني في العراق. لا بل انه كان معروفاً بلقب خطيب الثورة لأسلوبه البليغ وقدرته العالية على حشد الجماهير، مما جعله الواجهة الخطابية الأبرز للثورة الإيرانية. وحتى على الصعيد الميداني والسياسي فعلى الرغم من ان الجنرال سليماني ومن بعده خليفته قائاني كانا المشرفَين المباشرَين على السياسة الإيرانية في العراق الا ان كل الفصائل المسلحة والسياسيين العراقيين المرتبطين بإيران كانوا يعلمون يقيناً ان “قائد الثورة” ومرشدها الأعلى والقائد الروحي (آية الله) السيد الخامنئي كان هو صاحب الكلمة النهائية والمرجع الديني والتنظيمي الذي يمكن الاطمئنان لقراراته ليس فقط سياسياً وإنما دينياً أيضاً. أما بعد وفاته وتسلم ابنه المنصب فقد اختلف الوضع كلياً. فناهيك عن الضربة الكبرى التي تلقتها اذرع ايران المسلحة في العراق بعد اغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس، ها هي اليوم تتلقى ضربة معنوية كبرى نتيجة اغتيال علي خامنئي وعدم قدرة ابنه على ملء الفراغ الذي تركه غيابه.
لقد تخلخلت اركان الهيكل القيادي للفصائل العراقية المسلحة بخاصة تلك التي تقلّد في مرجعيتها الدينية حوزة قم وليس حوزة النجف. ان مجتبى هو في الواقع من الجيل الثاني للثورة الإيرانية اذ لم يكن عمره يتجاوز الحادية عشر عندما اندلعت الثورة الإيرانية وبالكاد تعرض في هذه السن المبكرة لخبرة الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي والتي شكلت فيما بعد حجر الزاوية في الوعي السياسي والعسكري والاستراتيجي لإيران الثورة. يقابل ذلك تعزيز الحرب الدائرة مع اميركا وإسرائيل من نفوذ “مجلس جنرالات الحرس” الذي يتكون من عدد صغير من الجنرالات الذين تشكل وعيهم السياسي والعسكري والاستراتيجي اثناء الحرب مع العراق وترقوا الى رتبة جنرال وهم لم يبلغوا العقد الثالث من عمرهم آنذاك. هؤلاء الجنرالات أمثال وحيدي ومحمد ذو القدر وغلام اجئي وحسين طالب ومحمد جعفري هم من يديرون شؤون الحرب ويتخذ قراراتها الاستراتيجية.
أن المأزق الحقيقي الذي ستعاني منه الفصائل العراقية المسلحة خلال الحقبة القادمة هو ضعف القوة الإيرانية التنظيمية والروحية التي طالما ضبطت ووحّدّت إيقاع الفصائل العراقية المسلحة خلال الأزمات السياسية والأمنية التي طالما تعرض لها العراق. واليوم يبرز أحد أهم هذه الأزمات أن لم يكن أهمها إطلاقاً وأكثرها إثارة للاختلاف في المواقف وهو الموقف من الضغوط الأميركية المتعاظمة لحصر السلاح بيد الدولة وحلها وفصلها عن المنظومة الأمنية العراقية الرسمية. وتبدو العصا الأميركية جليةً للأعيان سواء في التلويح بالعقوبات الاقتصادية، أو بسحب الدعم عن رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي هبط ببرشوت امريكي على المؤسسة السياسية العراقية عموماً وعلى الإطار التنسيقي الذي قبل ترشيحه على مضض، او بالتلويح بضربات عسكرية أمريكية على تلك الفصائل. لقد أسفرت هذه الضغوط الأميركية التي تبدو أكثر جدية هذه المرة عن شق مواقف المجاميع العراقية المسلحة الى اربع مجاميع رئيسة:
- فصائل أعلنت تسليم سلاحها للدولة كسرايا السلام وعصائب اهل الحق وكتائب الإمام علي.
- فصائل تبدو مستعدة لتسليم سلاحها للدولة مثل بدر و«ثار الله الإسلامي».
- فصائل رافضة
مثل كتائب حزب الله،والنجباء،مع انها غير معترضة على تسليم بقية الفصائل لاسلحتها للدولة. - فصائل لم تعلن موقفه و تنتظر ما ستسفر عنه مواقف الفصائل الأخرى.
لقد كان يندر ان نجد مثل هذا التباين في المواقف تجاه قضية مصيرية مثل نزع السلاح عندما كان السيد علي الخامنئي، يساعده الجنرال سليماني ومن بعدهما أبو مهدي المهندس هم الممسكين بالخيوط الروحية والتنظيمية لهذه الفصائل المسلحة. ويقيناً ستزداد حدة التباين في المواقف مع تزايد الضغوط الأمريكية من جهة و/ او حصول اتفاق محتمل بين أمريكا وايران من جهة أخرى، حتى وان لم ينص صراحةً على وقف الدعم الإيراني للفصائل. كما ان الضغوط الإقليمية، بخاصة من دول الخليج والأردن التي تعرضت لهجمات من تلك الفصائل مؤخراً ستزيد من حدة التباين في المواقف بين قادة الإطار التنسيقي والحكومة العراقية من جهة وبين الفصائل الأكثر تشدداً من جهة أخرى.
الخلاصة هي ان الفصائل المسلحة العراقية تعيش مأزقاً روحياً وتنظيمياً شديد الخطورة على وجودها بعد 28 فبراير 2026. وأن الاحتمال الأكبر ان ينجم عن ذلك تباين شديد في مواقف تلك الفصائل التي انخرط قسم منها بشدة في العملية السياسية ومزاياها الاقتصادية المغرية. واذا كانت احتمالات تخلي معظم تلك الفصائل عن سلاحها واردة جداً وتتطلب إدارة حاسمة لملفاتها العالقة فأن حل الفصائل الأكثر تشدداً سيكون أصعب بسيطرة مجلس الحرس الثوري الراهن على القرار الاستراتيجي والأمني والسياسي. وما لم يحصل اتفاق واضح بين أمريكا وايران على هذا الملف فتبدو المواجهة العسكرية الأمريكية الفصائلية هي الأكثر ترجيحاً لحسم مصير تلك الفصائل.
الدكتور منقذ داغر هو مؤسس ورئيس مجموعة المستقلة ، وأول من أسس شركة متخصصة في استطلاعات الرأي العام وأبحاث الرأي في تاريخ العراق. ويُعد من أبرز الخبراء في مجال قياس الرأي العام والبحوث الاجتماعية والسياسية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
شغل الدكتور داغر سابقاً منصب أستاذ في جامعتي بغداد والدفاع الوطني للدراسات العسكرية .عمل مستشاراً لرئيس وزراء العراق،. يشغل حالياً منصب المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في غالوب الدولية.
إقرأ ألمزيد
Image:



