على رئيس وزراء العراق أن يقنع واشنطن المتشككة بجدوى الشراكة مع بغداد

Iraqi Prime Minister Ali al-Zaidi speaks during a parliamentary session in Baghdad, Iraq, on May 14, 2026. (REUTERS/Ahmed Saad/File Photo)

يصل رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذا الأسبوع إلى واشنطن في أولى زياراته، حيث يترقب لقاءً مهم مع الرئيس دونالد ترامب. وبعد أن حظي بدعم أمريكي مبكر وقوي لحكومته، يُتوقع أن يشدد الزيدي على استعداده لنزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، وعلى توقيع سلسلة من الاتفاقيات مع شركات الطاقة الأمريكية. وتُعد هاتان المسألتان من صميم أجندة إدارة ترامب تجاه العراق، وهي أجندة لا تنبع من التزام تاريخي، بل من أهداف أمنية واقتصادية أمريكية أكثر ضيقًا وتحديدًا على المدى القريب.

وفي أعقاب الحرب مع إيران وتداعياتها الكارثية على العراق، يقود الزيدي بلدًا يواجه تحديات أمنية واقتصادية خطيرة في الداخل، ومشهدًا خارجيًا مضطربًا. وبصفته رجل أعمال لا يملك خبرة سياسية سابقة، يسعى لتقديم نفسه كشخصية سياسية من خارج المنظومة التقليدية: “ترامب الشرق الأوسط”. لكنه، في سعيه لتلبية المطالب الأمريكية والحفاظ على استقرار العراق، من المرجح أن يواجه ردود فعل معاكسة، سواء من إيران أو من المنظومة السياسية العراقية ذاتها التي أوصلته إلى السلطة.

وأمام الولايات المتحدة خياران: أن تبقى شريكًا أساسيًا في استقرار العراق، أو أن تتحول إلى مصدر ضغط مستمر على الدولة العراقية. ويتعين على الزيدي ألا يقتصر جهده على إقناع ترامب باستعداده وقدرته على تلبية المطالب الأمريكية الرئيسية، بل أن يقنعه أيضًا بأن العراق لا يزال يحتل مكانة حيوية في المصالح الوطنية الأمريكية، وأنه جدير بمواصلة الشراكة مع واشنطن.

توقعات عالية

رُشِّح الزيدي من قبل الإطار التنسيقي في أواخر أبريل/نيسان، وحظي هو وحكومته الجزئية بالتصويت بالثقة في 14 مايو/أيار. وكان مرشحًا توافقيًا مفاجئًا، إذ يُعد أول شخصية بدون فلخية سياسية يتولى منصب رئيس الوزراء، وقد برز بعد حالة الجمود التي نشأت إثر الفيتو الأمريكي الفعلي على ترشيح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وقد روّج الزيدي علنًا لزيارته إلى واشنطن باعتبارها رحلته الخارجية الأولى، في محاولة لإبراز أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة بالنسبة للعراق، وكذلك لترسيخ دعم إدارة ترامب له. وقد حظي، خلال فترة ولايته القصيرة، بعدد من الإشارات الإيجابية المبكرة والمهمة من فريق ترامب، من بينها اتصالات هاتفية من ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، إضافة إلى تصريح إيجابي من المبعوث الخاص توم باراك أشاد فيه بما وصفه بـ”القيادة الجديدة” و”الأجندة الجريئة” للزيدي.

معادلة صعبة التحقيق

وبينما يحاول الزيدي تقديم رئاسته للوزراء على أنها تمثل توجهًا جديدًا وربما أكثر ميلًا نحو الولايات المتحدة في السياسة الخارجية العراقية، تأتي زيارته بعد أيام قليلة فقط من مراسم تأبين علنية أُقيمت في العراق للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي. وقد شارك الزيدي نفسه، إلى جانب مجموعة من السياسيين العراقيين من الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيين، في مراسم التشييع، حيث سافروا إلى النجف لاستقبال جثمان القائد الذي قُتل في اللحظات الأولى للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. وانضمت إليهم حشود من المعزّين العراقيين، في مشهد يعكس النفوذ الديني والثقافي العميق الذي لا تزال إيران تتمتع به داخل البلاد.

ويُجسّد هذا التناقض اللافت طبيعة التنافس على النفوذ في العراق. فقد حاول رؤساء الوزراء المتعاقبون انتهاج سياسة خارجية توازن بين العلاقة التكافلية للعراق مع إيران واستمرار التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. غير أن الحرب مع إيران هذا العام جعلت هذه المعادلة اصعب من قبل. وتظل إضعاف قبضة إيران هو المحرك الأساسي للسياسة الأمريكية تجاه العراق، وهو ما يعني أن الزيدي سيواجه خيارات صعبة.

أجندة نافعية

يواجه الزيدي لقاءً عالي المخاطر وعالي المكاسب مع ترامب، وهو لقاء أربك عددًا من قادة العالم من قبله. وفي هذا اللقاء تحديدًا، قد يكون الشكل أكثر أهمية من المضمون. فالزيدي بحاجة إلى كسب ود ترامب وإقناعه بأن الولايات المتحدة تضع ثقلها خلف القائد المناسب.

وتتمحور أجندة إدارة ترامب في العراق حول أجندتها الأوسع تجاه إيران، خاصة بعد أن انزلق العراق إلى دوامة من العنف مع اندلاع الحرب مع إيران. وقد فقد سلفه، محمد شياع السوداني، دعم الولايات المتحدة بشكل دراماتيكي في المرحلة الأخيرة من رئاسته للوزراء، إذ عصفت به تداعيات الحرب، ومن بينها هجمات متكررة استهدفت مواقع دبلوماسية وعسكرية أمريكية، إضافة إلى اختطاف الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون.

ويُشكّل تقويض النفوذ الإيراني في العراق جوهر مطالب إدارة ترامب، وعلى رأس أولوياتها نزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران، إلى جانب التركيز على تقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني. وقد أظهرت الإدارة بالفعل عزمها واستعدادها لاستخدام أدوات الضغط، من خلال تعليق شحنات الدولار الأمريكي وتجميد التعاون الأمني.

كما يمثل الملف الاقتصادي ساحة أخرى تسعى الحكومة العراقية من خلالها للبقاء في دائرة الرضا الأمريكي، إذ يُتوقع أن يوقّع الزيدي ووفده عددًا من مذكرات التفاهم والاتفاقيات مع كبرى شركات الطاقة الأمريكية، وهي اتفاقيات كان بعضها قيد الإعداد منذ فترة طويلة، وستعود بالفائدة على الشركات الأمريكية وتساعد على استثمار الإمكانات الكاملة لقطاع الطاقة العراقي.

وينبغي على واشنطن أن تواصل الضغط من أجل إصلاحات تدعم بيئة الأعمال وتُسهّل الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء، بما في ذلك تقليص البيروقراطية، وتحسين البيئة التنظيمية، وإلغاء سقف الـ49 في المئة المفروض على الملكية الأجنبية للشركات.

تفاؤل حذر

من المرجح أن يشير الزيدي إلى بعض النجاحات المبكرة، والتي يأمل هو وحكومته أن تتطور إلى تقدم مستدام. فمنذ توليه المنصب، تعهد قادة ثلاث ميليشيات كبرى، هي عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا السلام، بالاستعداد لنزع السلاح. وقد حددت الحكومة العراقية موعد 30 سبتمبر/أيلول أجلًا نهائيًا لتسليم جميع الميليشيات أسلحتها للدولة، بما يتزامن مع الموعد النهائي لانسحاب قوات عملية العزم الصلب التي تقودها الولايات المتحدة من العراق.

كما تعهد الزيدي بمواجهة الفساد في العراق. وشكّلت حملة اعتقالات لمكافحة الفساد شملت سبعة وأربعين سياسيي ومسؤول حكومي في 27 يونيو/حزيران انطلاقة لافتة لهذا الجهد، وإن بدا أن المستهدفين اقتصروا على دوائر سياسية محدودة.

ومع ذلك، وحتى في ظل مزيج من الدعم والضغط الأمريكيين، سيواجه الزيدي عقبات جسيمة في طريقه. فرغم أن نزع سلاح الميليشيات يصب في صميم المصلحة الوطنية العراقية، فإن تجذّر هذه الميليشيات العميق في المنظومتين السياسية والاقتصادية قد يعرقل أي تقدم حقيقي. وقد تعهدت أكثر الفصائل تشددًا بمواصلة القتال، وهي لا تزال تحتفظ بنفوذ كبير، بما في ذلك داخل البرلمان. وحتى مع كون الزيدي ليس سياسيًا محترفًا، فإنه اختير من قبل المنظومة ذاتها التي أوصلت السوداني إلى السلطة، وسيواجه كثيرًا من القيود ذاتها.

كما سيواجه إيران التي أضعفتها الحرب عسكريًا في جوانب معينة، لكنها خرجت أكثر قوة استراتيجيًا في جوانب أخرى. فبدلًا من زعزعة النفوذ الإيراني في العراق، أثبتت الحرب، لكل من إيران والدولة العراقية على حد سواء، أن الميليشيات أداة فعالة في مواجهة الولايات المتحدة وجيران العراق. وجاءت زيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني في أبريل/نيسان لتُذكّر مجددًا بأن إيران لن تتخلى عن نفوذها طواعية.

ما هو على المحك

وبشكل أعم، يتعين على الزيدي إقناع إدارة ترامب بأن العلاقة الأمريكية مع العراق تخدم المصالح الأمريكية. فقد اعتادت الحكومات العراقية المتعاقبة على اعتبار الشراكة مع الولايات المتحدة أمرًا مفروغًا منه، مفترضةً أن تاريخ الغزو الأمريكي والالتزام الثنائي طويل الأمد سيستمران دون انقطاع.

ويواجه الزيدي واقعًا جديدًا وصعبًا في واشنطن: إدارة مستعدة للانسحاب من العلاقة إن لم تقتنع بأنها تخدم مصالح الولايات المتحدة. وعليه أن يُظهر تقدمًا مستمرًا في الأولويات الرئيسية للإدارة، مثل الإصلاحات الاقتصادية ونزع سلاح الميليشيات، للحفاظ على الانخراط الأمريكي ولملمة الضغط الهائل الذي تستعد إدارة ترامب لاستخدامه كورقة نفوذ.

وقد أسهمت سنوات من الانخراط العسكري ومليارات الدولارات من الاستثمار في “إرهاق” واشنطن من الملف العراقي، ما دفع العراق إلى مؤخرة الأجندة السياسية الأمريكية. وثمة سردية سائدة في بعض الأوساط في واشنطن مفادها أن الولايات المتحدة قد خسرت العراق بالفعل لصالح إيران، وأن الانخراط الأمريكي لم يعد يستحق العناء.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فرغم النفوذ الإيراني العميق والمستمر، يدرك كثير من العراقيين أن المستقبل الذي ينشدونه يقع على المحور الغربي. ويمكن للانخراط الأمريكي المستدام، الذي يجمع بين الضغط والحوافز، أن يحقق تقدمًا حقيقيًا في تعزيز الدولة والاقتصاد العراقيين، وتقويض النفوذ الإيراني الذي يستفيد من هشاشة العراق. وهذه علاقة تخدم المصالح الوطنية الأمريكية والعراقية على حد سواء.