الفصائل المدعومة من إيران تُدمِّر العراق—يجب على بغداد مواجهتها

A protester holds a Kata’ib Hizballah flag as supporters of Iraqi Shi'ite armed groups attempt to move toward the US embassy in Baghdad, Iraq, in March 1, 2026. (REUTERS/File Photo)

واشنطن — انفجر منزل يوم 13 مارس في حي الكرادة ببغداد، وانتشرت مقاطع مصورة للمشهد الملتهب على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي. يبدو أن الضربة — التي نفّذتها الولايات المتحدة على الأرجح، وإن لم تُقرّ بها علنًا حتى الآن — كانت تستهدف أبو حسين الحامداوي، زعيم كتائب حزب الله، وهو فصيل مسلح بارز مدعوم من إيران في العراق. وتشير التقارير إلى أن الضربة أودت بحياة ثلاثة أشخاص، غير أن الحامداوي نجا منها بإصابات طفيفة. 

وفي حين استهدفت معظم الضربات الأمريكية في إطار الحملة الجارية ضد طهران قدراتٍ وقياداتٍ داخل إيران، نفّذت القوات الأمريكية أيضًا عمليات في العراق المجاور. وتُعدّ الضربة التي استهدفت الحامداوي أهم عملية اغتيال في العراق من حيث الرتبة العسكرية منذ ضربة عام 2020 التي قتلت قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. كما أنها تمثّل الطلقة الافتتاحية لمرحلة مطوّلة من النشاط الميداني المتصاعد بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة العراقية المدعومة من إيران، والان الدولة العراقية ذاتها. وتجسّد عملية اختطاف الصحفية الأمريكية شيلي كيتلسون يوم 31 مارس، على الأرجح على يد أحد الفصائل، دليلًا ملموسًا آخر على هشاشة المشهد الأمني في العراق. 

وفيما تواصل طائرات الفصائل المسلحة المُسيَّرة وصواريخها إلقاء الرعب في كل انحاء العراق، يجد الحكومة العراقية نفسها أمام خيار شانك: إما الاستمرار في مهادنة هذه الفصائل والمخاطرة بفقدان السيطرة على الدولة، وإما مواجهتها مباشرة وخوض صراع دموي محتمل لاستعادة السيادة العراقية. 

الفصائل تضرب 

كنت في بغداد في فبراير الماضي، خيث إبّان تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وكان معظم القادة العراقيين الذين التقيت بهم يُبدون تفاؤلًا بأن الفصائل لن تُقدم على الهجوم في حال شنّت واشنطن ضربات ضد طهران. ومن السهل استيعاب دوافع هذا التفاؤل؛ إذ التزمت الفصائل العراقية الحياد طوال فترة الحرب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى توجيهات طهران التي أرادت تقييد ردّها. 

بيد أن هذا الأمل تبيّن أنه كان وهمًا. فمع تصميم إيران على توجيه أقصى قدر من الأذى في المنطقة، باتت الفصائل العراقية جزءًا من تصعيد إيراني يرمي إلى استعادة الردع وضمان بقاء النظام. وبالنسبة لأشد الفصائل تطرفًا، فإن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يتطلب القصاص، بل يفرض فعيلاً هذا القرار على فصائل المقاومة لإثبات ولائها للقضية. 

خارج السيطرة 

حتى وإن أحجمت بعض الفصائل العراقية عن شنّ هجمات مباشرة، فإن أشدّها تطرفًا — كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء — انخرطت سريعًا في المعارك. هذه الجماعات، الأكثر أيديولوجيةً والأكثر استجابةً لتوجيهات طهران، هي ذاتها التي ترى في بقاء النظام الإيراني ركيزةً لبقائها. هذه الفصائل هي المسؤولة بصورة رئيسية عن أكثر من 180 هجومًا استهدفت أفرادًا وقواعد أمريكية في الفترة التي أعقبت هجمات حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. 

منذ اندلاع الحرب، شنّت الفصائل العراقية هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ في انحاء البلاد، استهدفت مواقع دبلوماسية وعسكرية أمريكية، فضلًا عن البنية التحتية للنفط والغاز، ومواقع الجيش العراقي، ومطاري بغداد وأربيل، وفنادق في كردستان وبغداد، وعدد من الأهداف المدنية والأمنية  الأخرى. ففي يوم 12 مارس مثلًا، ضربة بطائرة مسيّرة تابعة لفصيل مسلح قتلت ضابط فرنسي كان يشارك في بعثة مكافحة الإرهاب، فيما أسفرت ضربة منفصلة عن مقتل ضابط أمن كردي. وفي أبرز تصعيد ضد الدولة العراقية، استهدفت الفصائل مقرّ جهاز الأمن الوطني العراقي في 21 مارس، ما أسفر عن مقتل ضابط وإلحاق أضرار بمنظومة الاتصالات. وكان الهجوم بطائرة مسيّرة على مقر إقامة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في دهوك تجاوزًا فاضحًا لدرجة أن الحرس الثوري الإيراني نفسه أصدر بيانًا يدين فيه الضربة. 

تحديات متصاعدة

يعود جزء من قوة هذه الفصائل إلى أخطاء الحكومات العراقية المتعاقبة، التي أتاحت لها التغلغل في المؤسسات الأمنية والسياسية والاقتصادية للدولة. وقد أسهمت سياسة المهادنة هذه في تلطيف سلوك بعض الفصائل، كمنظمة بدر وعصائب أهل الحق المصنّفة إرهابيًا، اللتين اقتصرتا على نشاط ميداني محدود مع تركيزهما على ترسيخ مصالحهما السياسية والاقتصادية. وتحت وطأة الضغوط المتصاعدة من إدارة ترامب، أعلنت جماعات كعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي علنًا دعمها لإخضاع السلاح لسيطرة الدولة، وإن ظلّت شروط هذه العملية ومدى التزامها الحقيقي بنزع السلاح غامضَين. 

غير أن الجماعات الأكثر تشدّدًا أيديولوجيًا لا تزال متمسّكة بأيديولوجيا المقاومة، وبتوظيف قوتها العسكرية ضد القوات الأمريكية في المنطقة وضد الدولة العراقية. وتبقى هذه الجماعات أكثر ارتباطًا بطهران من القادة السياسيين في بغداد، وقد راكمت من القوة العسكرية والسياسية ما يكفي لإرهاب مؤسسات الدولة العراقية. وكثيرًا ما يصف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني هذه الجماعات بـ”الخارجين عن القانون“، في اعتراف ضمني بأنها تعمل خارج نطاق سلطة الحكومة. 

في أعقاب تجدّد الاشتباكات، شنّت الولايات المتحدة ضربات متكررة على مواقع الفصائل في أنحاء العراق، لم تُفضِ حتى الآن إلى كبح نشاطها، بل استدعت انتقادًا من الحكومة العراقية إثر ضربة قتلت سبعة من أفراد الجيش العراقي. وفيوم 27 مارس، أعلنت الولايات المتحدة والعراق تشكيل ”لجنة التنسيق المشتركة العليا“، في ما يبدو أنه مسعى مُرتجَل لأهداء التصعيد الداخلي النابع من الضربات الأمريكية الأخيرة. وقد تنجح الضربات الأمريكية التي تستهدف قادة الفصائل ومنشآتهم اللوجستية في تقليص قدراتها، لكنها لن تُخلّ على الأرجح بدورها الممتد عبر مختلف قطاعات المجتمع العراقي. وحتى الآن، ظلّت جهود الحكومة العراقية الذاتية محدودة النطاق، فضلًا عن أن الوضع الانتقالي للسوداني وحالة الجمود السياسي لدى الإطار التنسيقي الشيعي في ما يخص تشكيل الحكومة يضعان الحكومة العراقية في موقف أضعف لمواجهة الفصائل. 

لحظة الاختيار 

يمثّل استمرار وجود الفصائل المسلحة أشدّ المخاطر تهديدًا للعراق ذاته. فرغم أن رؤساء الوزراء العراقيين الأخيرين أحرزوا تقدمًا ملحوظًا في إصلاح العلاقات مع دول الخليج والشركاء الإقليميين، فإن هجمات الفصائل على الخليج والأردن تهدد بإعادة العراق إلى دائرة العزلة، وقد استدعت إدانةً مشتركة من معظم دول الخليج والأردن. كما تُعرّض الضربات على البنية التحتية النفطية والغازية الأمن الطاقوي والاقتصادي للعراق للخطر، ناهيك عن التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية في استقطاب كبرى شركات الطاقة الأمريكية والدولية. وقد دفعت تهديدات المقاومة الإسلامية في العراق بحق الأمريكيين وزارةَ الخارجية إلى إصدار تحذير أكثر حدةً للمواطنين الأمريكيين بمغادرة البلاد، فيما أجلت شركات النفط الدولية موظفيها الأجانب في معظمها. 

المهمة أمام الحكومة العراقية في غاية الخطورة. إن مواجهة الفصائل تشبه مواجهة تنظيم كالمافيا الصقلية — جماعات بالغة العنف ومتغلغلة في طبقات المجتمع المتعددة لدرجة أن أجهزة الأمن الشرعية والقضاء وحتى كبار المسؤولين يخشون على أرواحهم. في يوم 3 مارس، تداول حساب على منصة إكس مرتبط بكتائب حزب الله بيانًا يُهدّد فيه الحكومة العراقية صراحةً، محذّرًا من أن أي تحرك ضد مقاتلي الفصائل سيُقابَل بالقوة. وقد قوبلت المحاولات السابقة لاتخاذ خطوات ولو متواضعة للسيطرة على الفصائل بالعنف، بل إن أجزاء من الدولة العراقية ذاتها تآمرت على إفشالها. ففي نوفمبر 2021 على سبيل المثال، حاولت الفصائل اغتيال رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي بمهاجمة مقر إقامته في المنطقة الخضراء بطائرات مسيّرة، في ما يكشف عن قدرة هذه الجماعات على تهديد أقوى الشخصيات في العراق دون محاسبة. 

ومع ذلك، لا يوجد خيار آخر. لا يمكن للعراق أن يمضي على هذا النهج، بينما تُرهب الطائرات المسيّرة والصواريخ البلاد، وتواصل الفصائل المسلحة اغتيال القادة السياسيين والناشطين والصحفيين واختطافهم، وثمة مناطق لا تجرؤ حتى قوات الأمن الشرعية على دخولها. لا بد للعراق من مواجهة الفصائل لاستعادة استقراره وإعادة تأكيد سيادته، وتفكيك الحصان الطروادة الإيراني الذي لا يزال يُتيح لطهران توظيف العراق وكيلًا في صراعها مع الولايات المتحدة. وبالنسبة للنخبة السياسية الشيعية في العراق، تهدد هذه الفصائل المشروعَ السياسي الشيعي برمّته، وترسّخ صورة مفادها أن شيعة العراق طليعةٌ لإيران لا مدافعون عن المصالح الوطنية العراقية. 

إن تفكيك الفصائل ليس مجرد صون للأمن القومي الأمريكي، بل هو صون للأمن القومي العراقي أيضًا. حان الوقت لأن يستعيد العراق زمام بلده ومستقبله.